أربعة أديبات لم يصبهن النسيان

رغم صدور مئات الكتب كل يوم، وانضمامها إلى مكتبات الغرب في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبيرطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وغيرها من الدول الأوروبية، إلاّ أن القليل جداً منها الذي يلاقي النجاح، في حين لا تلقى البقية سوى النسيان بعد خروجها عن دور النشر.

والسبب كما يقول الناقد الأمريكي وليام غيبلر (William Gibler) هو أن الكاتب يأخذ الأدب الحديث من الكمبيوتر وأفلام الرعب والدماء، ولهذا فإنه لا يعيش في حين أن الأدب الذي كتب قبل قرنين أو ثلاثة قرون، لا يزال يعيش في قلوبنا ووجداننا ونقرأه كل يوم أو نشاهده كأفلام سينمائية حققت نجاحاً مدوياً، والسبب وراء هذا النجاح القادم إلينا من قرنين أو ثلاثة، هو أنه أدب صادق استمد كينونته من الطبيعة الجميلة ومن الحياة البسيطة ومن المياه الرقراقة في الأنهار ومن زقزقة العصافير فوق أغصان بدأت تتفتح بعد شتاء طويل.

ويقول الناقد، إن الأدب الغربي شهد قبل نحو قرنين ظهور أديبات، استطعن أن يفرضن حضورهن على الساحة الأدبية، منذ ذلك الحين و حتى الآن، والدليل على ذلك أن أعمالهن الأدبية تحولت جميعها إلى أفلام عالمية، نجحت في الماضي ولأنها تنتمي إلى حقبة الأدب الجميل، بدأ الكثير من المخرجين في هوليوود يحاولون عمل أفلام جديدة بتقنيات جديدة، بناء على تلك الأعمال الأدبية الخالدة.

مارغريت ميتشل عالجت في ’’ذهب مع الريح‘‘ الحرب الأهلية الأمريكية

ومن هؤلاء الأديبات اللواتي لاتزال روايتهن مطلوبة حتى الآن وتتصدر أكبر المبيعات العالمية الكاتبة الأمريكية مارغريت ميتشل.

ولدت الكاتبة مارغريت ميتشل (Margaret Mitchell) في جورجيا بولاية أتلانتا الأمريكية، في الثامن من نوفمبر  من عام 1900 وتوفيت في السادس عشر من أغسطس من عام 1949، كتبت بعض القصص الاجتماعية ولكن كان أشهرها قصة ذهب مع الريح (Gone with the Wind) الذي وصفه النقاد بأنه أعظم فيلم أنتجته السينما العالمية.

ورغم أننا لسنا بصدد مناقشة الفيلم، إلاّ أن الذي جعله من أعظم الأفلام العالمية، هو أن الكاتبة عالجت من خلال القصة واقعاً اجتماعياً بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، وكيفية نشوء الطبقات الاجتماعية التي أوجدت تبايناً بين أفراد المجتمع، رغم أن تلك الحرب قضت إلى حد كبير على العبودية، وهذا المفهوم يتكرر في جميع دول العالم، فعندما تبدأ حرب وتنتهي تأخذ معها طبقات وتأتي بطبقات اجتماعية جديدة، وهنا يأتي دور الكاتب ليعالج بروح إنسانية كيفية القضاء على الفوارق الاجتماعية بروح متحضرة.

جين أوستن سخّرت أدبها لحل القضايا الاجتماعية

تعتبر الأديبة الروائية جاين أوستن (Jane Austen) التي ولدت في السادس عشر نت ديسمبر من عام 1775 وتوفيت في الثامن عشر من يوليو من عام 1817 من أفضل من كتب الرواية في الأدب الإنجليزي، ومن أشهر ما كتبته رواية كبرياء وتحامل (Pride and Prejudice) التي تحولت إلى عدة أفلام كان آخرها عام 2005.

وتعالج جين أوستن في هذه الرواية قضية اجتماعية وهي قضية ’’العنوسة‘‘ فالفتيات يردن الزواج والشباب عازفون عن ذلك بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية (الحال نفسها التي يعيشها شبابنا اليوم) وتحاول الكاتبة أن (تسبر) أغوار المشكلة لتعرف لماذا وصل المجتمع إلى هذه الدرجة من التردي بحيث لا يستطيع الشباب فيه الزواج.

وتبدأ في معالجة المشكلة بطريقة منطقية، وهي تقول عندما يحب الرجل فإنه في النهاية سيتزوج، لذا تطلب من الفتيات ألا يكن مبتذلات في طلب الزواج، ولكن عليهن معرفة الشاب المناسب وإيقاعه في الحب ثم سيأتي هو طالباً يدها، وعليها أن تفعل ذلك وأن تساعده ليتخطيا معاً الظروف الاجتماعية الصعبة بدلاً من أن تكون عبئاً عليه، ونلاحظ هنا مرة ثانية أن الكاتبة سخرت أدبها من أجل حل القضايا الاجتماعية من خلال الواقع الذي تعيشه.

قدمت جوهانا سبيري بقصصها سويسرا نحو العالم

ولدت جوهانا سبيري (Johanna Spyri) في الثاني عشر من يونيو من عام 1827 في بلدة هيرتسل (Hirzel) في زيورخ بسويسرا وتوفيت في السابع من يوليو من عام 1901، وهي من أشهر من كتبت قصص الأطفال منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن ومن أشهر قصصها قصة الطفلة هايدي (Heidi) التي وصفها النقاد بأنها (أي القصة) قدمت سويسرا إلى العالم أكثر من جبال الألب، وذلك لأن قصة هايدي تحولت إلى أفلام تمت ترجمتها إلى معظم لغات العالم، حتى إن العالم كله خصوصاً الأطفال عرفوا سويسرا من خلال هذه القصة وكانت الممثلة الأمريكية شيرلي تمبل (Shirley Temple) التي مثلت فيلم هايدي قد قالت لقد طبعت الكاتبة والأديبة جوهانا بهذه القصة صورة لا تمحى في مخيلة العالم عن بلادها سويسرا.

وعندما صورت جوهانا الطفلة الصغيرة هايدي وهي ترعى الماعز في جبال الألب وتعيش على حليب تلك الماعز وتتمتع بالطبيعة التي حولها كانت تريد أن تقول إن على الإنسان أن يتكيف مع واقعه حتى يستطيع تغييره إلى الأفضل، فهذه الطفلة استطاعت أن تتكيف مع حالتها الاجتماعية البسيطة ومع جبال الألب القاسية التي تصل درجة الحرارة فيها إلى نحو 20 درجة تحت الصفر لكنها رفضت أن تذهب إلى مكان آخر لأن هذه المنطقة هي موطنها فعليها أن تتكيف للعيش فيه بأي حال ودون تذمّر.

وتشير موسوعة (Ancient Encyclopedia) إلى أنه ما بين عامي 1974 و 1975 زار سويسرا ملايين اليابانيين ليشاهدوا الكوخ الذي كانت تعيش فيه هايدي في جبال الألب بعد أن عرض مسلسل هايدي في تلفزيون اليابان لمدة سنة كاملة في حين أن الناس في البرتغال وألمانيا وإسبانيا ابتاعوا أفلاماً وأسطوانات وكتباً وقمصاناً كتب عليها اسم وصورة هايدي توازي ارتفاع جبال الألب وربما أكثر.

وأضافت الموسوعة أن قصة هايدي للأطفال تعتبر درة بين الكتب فقد كانت تعالج الحياة بأسلوب بسيط ودون تعقيد.

ترجمت أعمال لوسي مود مونتغمري إلى جل اللغات الحية

ولدت الكاتبة لوسي مود مونتغمري (Lucy Maud Montgomery) في الثلاثين من نوفمبر من عام 1874 في قرية بسيطة في إحدى الغابات في منطقة كلفتون في مقاطعة إدوارد في كندا وهي عبارة عن جزيرة صغيرة في إحدى غابات كندا.

من أشهر ما كتبته قصة آن والربوع الخضراء (Anne of Green Gables) ولقد ترجمت هذه القصة إلى معظم لغات العالم (باستثناء اللغة العربية مع الأسف) ورغم أن القصة تثير المتعة للصغار والكبار معاً إلا أنها نالت شهرة كبيرة بعد تحويلها إلى فيلم كرتوني للأطفال، وهذه القصة مهمة جداً لأنها تربي الأطفال على حب بعضهم بعضاً وتجعلهم يحبون القراءة والموسيقى والشعر، والاهم من ذلك تجعلهم يتغلبون على الصعاب التي يواجهونها في حياتهم (تماماً مثل هايدي) وتجعلهم أيضاً يشعرون بالمسؤولية وهم صغار.

فالطفلة آن رغم أنها يتيمة ومتبناة إلا أنها لم تجعل ذلك عقدة في حياتها ولم تستسلم لهذا الشعور غير الطبيعي مقارنة مع زميلاتها وزملائها الأطفال الذين لهم آباء وأمهات، كانت آن فتاة متألقة في الدراسة وتحب الموسيقى وتتعلمها وتملأ فراغها بالقراءة وكل ماهو مفيد مما جعلها محبوبة في المدرسة وبين أفراد العائلة التي تبنتها وحتى القرية التي تعيش فيها أصبحت تعتبرها علماً مميزاً وراحت كل عائلة تتمنى لو أن آن ابنتها، وبالتالي من خلال أنها إنسانة ودودة وطيبة الخلق وتحب القراءة ومتميزة في مدرستها جعلت الكل يحبها ويتمنى لو أنها كانت ابنته.. وهنا بيت القصيد.

وهكذا ومن خلال هذه القصة المؤثرة تمكنت الكاتبة أن تقدم أدباً راقياً للطفل حتى إن القرية البسيطة في تلك الجزيرة الصغيرة من كندا تحولت الآن إلى قبلة للزوار يؤمها سنويا أكثر من 180 ألف سائح من جميع أنحاء العالم معظمهم من الأطفال برفقة ذويهم أو من خلال رحلات مدرسية.

تقول إحدى الصحف الشهيرة إن الأدب الجميل والهادف يستطيع أن يفرض نفسه على الزمان والمكان حتى ولو بعد قرنين أو ثلاثة قرون لأن الأزمان تتغير ومشاكل الناس تبقى هي نفسها لا تتغير في مجملها..

ورغم أن هناك بعضاً من الروايات قد تنجح إلاّ أن نجاحها يكون مؤقتاً، فالروايات التي تعتمد على السحر والشعوذة والقتل ومصّ الدماء وطيران الأشخاص في الفضاء دون أجنحة قد تنجح بعض الشيء إلاّ أنها روايات تضرّ بعقلية المتلقي خصوصاً الطفل بشكل كبير لأنه سيؤمن من خلالها بأن أفضل حل للمشكلات هو عن طريق السحر والشعوذة والقتل والظلام.