جيل سيمان

أمضت جيل سيمان (Jill Seaman) عقوداً طويلة تستكشف السبل الأكثر فعالية لإيصال الأدوية الحديثة إلى الأشخاص المحاصرين في جَنُوب السودان. حطّت سيمان رحالها وَسَط حرب أهلية شرسة عام 1989 في خضم تفشي أحد أسوء الأوبئة التي ضربت إفريقيا: داء الليشمانيات الحشوي الذي ينهش لحم البشر. اليوم، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وأعلن جَنُوب السودان استقلاله، تراجع الوباء بشكل كبير. لكن ثالوث العنف والمرض والخوف – وهو الأسوأ – لا يزال يفتك بالمنطقة التي تعدها سيمان موطنها الثاني.

كيف كانت الأوضاع عندما وصلت إلى جَنُوب السودان؟

كان ما يقرب من نصف عدد السكان قد أهلك. كنت أمشي في قرى لم يكن فيها أحد على قيد الحياة. أحياناً كنت أرى رماداً، وأحياناً أخرى أسير فوق عظام. لكن لم يكن هنالك من إنسي. فقط الصمت والخوف والدمار.

كنت مجبرة على هزم المتسبب بكل هذا الموت، هل يمكن أن تصفي لنا عدوك؟

ينتقل داء الليشمانيات الحشوي بوساطة ذبابة الرمل. وهو يؤدي إلى الإصابة بالحمى والهزل وتضخم الطحال، حيث يموت الشخص المصاب خلال أسابيع. ولئن كان مرضاً قابلاً للعلاج حال توافر الأدوية والرعاية الطبية المناسبة، إلا أنني عندما وصلت إلى جَنُوب السودان عام 1989 مع منظمة أطباء بلا حدود، لم يكن هناك طاقم طبي يعمل في الأدغال. فكان لابد لنا تقديم علاجات وإجراء تشخيصات بأساليب عالية التقنية داخل أكواخ طينية. كان هذا هدف معظم أبحاثنا، ولا يزال الأمر كذلك لغاية اليوم.

لكن على مر العشرين سنة الفائتة تمكنتِ من القضاء على هذا المرض، أليس كذلك؟

كلا، لا يمكننا مقارنة الوباء في الماضي بوقتنا الحالي. فقد أصبحت الرعاية الصحية اليوم متوافرة في جَنُوب السودان، لكن في السنوات الثلاث الأخيرة عاد الوباء إلى الظهور. وخلال العام الماضي وحده عالجنا 2500 مريض، وهذا يعد رقماً هائلاً.

لقد تعرضت عيادتك للتفجير والإحراق، إلا أنك مصرة على أنك لست من عشاق المخاطر.

لست من عشاق المخاطر، بل أنا امرأة شغوفة بالرعاية الصحية وبالسودان. يمكنني القول إن أموراً مرعبة كثيرة حدثت، كالمجزرة التي وقعت في بلدة شمال هذه المنطقة، وراح ضحيتها ما يقارب 200 شخص خلال ساعات معدودة. كان المسلحون يطلقون الرَّصاص على الأشخاص دون تمييز، بما في ذلك نساء يغسلن ملابسهن، لكن ليس هذا سبب وجودي هنا.

لكنك هنا الآن، وهذا الأمر ينطوي بحد ذاته على الكثير من المخاطر؟

في حقيقة الأمر، لست وحدي من يخاطر، فكلنا نخاطر، فالحياة بحد ذاتها مخاطرة. كل الأشخاص الذين يعيشون في جَنُوب السودان يعرفون أن حياتهم قد تنتهي في أي لحظة.

لكنهم يبقون هناك، بل ويعيشون بسعادة. ملايين الأشخاص ينتظرون مساعدتي، وأتمنى أن أوفّق في ذلك. فهل ثمة ما هو أفضل من ذلك؟