سينما الثورات

احتلت سينما الثورات نصيباً كبيراً من إنتاج السينما العالمية على مر التاريخ، ولعبت في مضمونها على توثيق الحدث التاريخي، مع قدر من الإمتاع البصري، والطرح المتعمد للأيديولوجيات الخاصة بصناع العمل أو بالسياسة العامة للبلاد. وغالباً ما كانت تلك النوعية من الأفلام التاريخية تستمد مشروعيتها من كتب التاريخ، ومن نصوص أدبية، وصور ووثائق تاريخية.

وربما كانت البدايات الأولى للسينما التاريخية غير جذابة، خاصة وأنها كانت تتكل على استعراض الأحداث بشكل مباشر. ولكن مع دخول الفن السابع في مراحل متقدمة من التطور والإبداع، أصبحت تلك النوعية من الأفلام تحمل طابعاً فنياً تحليلياً، وتضيف الكثير من اللمسات الدرامية، وتضع الأحداث في سياق متوازن، يحقق نوعاً من الإمتاع والتشويق. وبالتالي أصبح تعاطي السينما التاريخية مع الحدث الموثق أكثر عمقا وتأثيراً، وإن تجاهلت في كثير من الأحيان الأمانة في نقل الأحداث وتوثيقها سينمائياً. ومن جانبها احتلت أفلام الثورات مكانة خالدة في ذاكرة السينما العالمية، وصنفت العديد منها ضمن الكلاسيكيات السينمائية.

فهي في النهاية تتناول حدثاً ملفتاً، وتصور نقطة تحول لا يعيشها العالم كل يوم. وتستفيد السينما في جانبها الدرامي من مكنونات الثورة، ونتائجها التي قد تصل إلى النصر الحاسم أو الاحتواء القاتل، ففي كلا الحالتين يمكن البناء الدرامي عليها، ورسم الشخصيات والأحداث الفارقة. إلا أن جدلاً واسعاً رافق عرض الكثير من أفلام الثورات، كما منع عرضها في بعض الدول التي اعتبرتها محاولات لتشويه صورة الحكومة والجيش.

فيلم ’’سبارتاكوس‘‘ مثال للثورة ضد الظلم والاستعباد

وهناك العديد من الأفلام السينمائية، التي تابعت الثورات التاريخية منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، مجدت تلك الثورات وشكلت علامة فارقة في تاريخ الفن السابع. ونتوقف أمام بعض منها كفيلم سبارتاكوس (Spartacus) الذي عرض في العام 1960، من بطولة كيرك دوجلاس (Kirk Douglas) ولورانس أوليفييه (Laurence Olivier). وتدور أحداث الفيلم في عصر الجمهورية الرومانية، حيث يستعرض مظاهر استعباد الرومان للأسرى اليونانيين، وبروز سبارتاكوس كقائد وثائر عظيم أشعل ثورة العبيد وكاد أن يحقق انتصاراً تاريخياً، لولا أن كراسوس نجح في إخمادها بمنتهى القسوة. وبقي سبارتاكوس بعد قتله مثالاً خالداً للثورة ضد الظلم والاستعباد.

عمر المختار في ’’أسد الصحراء‘‘ يقول نحن لا نستسلم، ننتصر أو نستشهد

وعند الكلام عن سينما الثورات، لا بد من المرور على رائعة مصطفى العقاد (Moustapha Akkad) أسد الصحراء (Lion of the Desert)، الذي أنتج في العام 1981، من بطولة أنتوني كوين (Anthony Quinn) وأوليفير ريد (Oliver Reed). الفيلم يتناول أحداث الثورة الليبية التي قادها المناضل عمر المختار في العام 1929 ضد الاستعمار الإيطالي، ومحاولات موسوليني التصدي له بإرسال القوات الإيطالية، ودعمها بالمزيد من العتاد والدبابات، حتى تمكن الإيطاليون من القبض على عمر المختار، بعد معركة شرسة بين القوات الليبية والإيطالية والتي أطلق فيها مقولته الشهيرة نحن لا نستسلم، ننتصر أو نستشهد. وكان عمر المختار قد حوكم محاكمة صورية ثم أعدم أمام أبناء شعبه الليبي، ومن جانبها منعت الحكومة الإيطالية عرض الفيلم في إيطاليا واعتبرته تشويها لصورة الجيش والحكومة، حتى العام 2009، حيث عرض في التلفاز الإيطالي بعد زيارة الرئيس الليبي معمر القذافي لإيطاليا.

فيلم ’’معركة الجزائر‘‘.. أثار ضجة كبيرة ومنع في فرنسا

وفي العام 1966، جسد فيلم معركة الجزائر (The Battle Of Algiers) أحد أهم محطات الثورة الجزائرية، دارت رحاها في العاصمة بين العامين 1956 و 1957 بين الثوار الجزائريين وقوات النخبة الفرنسية. حيث تعرض الثوار إلى أعنف أساليب القمع من قبل القوات الفرنسية، التي كانت تعمد إلى العزل والاعتقال والتعذيب الوحشي. أخرج الفيلم بإتقان وحرفية عالية الإيطالي جيلو بونتيكيرفو (Gillo Pontecorvo)، وقد شارك في بطولته عدد من أبطال معركة الجزائر مثل يوسف سعدي، واعتمد تصويره في المواقع التي جرت بها الأحداث، وبعد مرور تسع سنوات فقط على حدوثها، ما أضاف المزيد من الشفافية والمصداقية على الأجواء. وقد أثار هذا الفليم ضجة كبيرة، ومنعت فرنسا عرضه في أراضيها.

السينما الروسية

وبالنسبة للسينما الروسية، فلم تكن قد أتقنت مبادئ اللعبة السينمائية، إلى أن قامت ثورة 1917 الاشتراكية، وبدأ الاهتمام بالسينما كأداة تعبر عن المضمون الاشتراكي. وربما كان أول فيلم أنتج في روسيا بعد الثورة هو فيلم الأب سيرجيوس (Father Sergius)، ولكن الفيلم الذي أحدث أثراً كبيراً كان المدرعة بوتمكين (Battleship Potemkin)، الذي أنتج في العام 1925، وتناول أحداث ثورة 1905. فقد أحدث هذا الفيلم ضجة كبيرة، وصنف كأفضل فيلم في العالم من قبل لجنة تحكيم مؤلفة من مؤرخي السينما من 26 دولة حول العالم.

السفير الأمريكي في تشيلي تدخل لمنع فيلم ’’مفقود‘‘ لفضحه الدور الأمريكي في اغتيال الليندي

وقدم المخرج الفرنسي الجنسية، اليوناني الأصل كوستاس جافراس (Costa-Gavras) فيلم زد (Z) في العام 1969، الذي أدان فيه ممارسات رجال الانقلاب العسكري الذي حدث في اليونان في العام 1967 ويروي قصة اغتيال القائد السياسي اليوناني لامبركيس (Lambrakis). وقد أخذ الفيلم شهرة عالمية واعتبر أشهر فيلم سياسي على مستوى العالم، كما فاز بجائزة الأوسكار كأفضل فيلم ناطق بلغة أخرى غير الإنجليزية. وقد منعت سلطات الانقلاب الحرف زد (Z) الذي يعني باللغة اليونانية (إنه يعيش). كما قدم جافراس في العام 1982 فيلم مفقود (Missing) الذي يتناول الانقلاب الذي وقع في تشيلي في العام 1973 ضد الحاكم المنحاز للفقراء سلفادور الليندي (Salvador Allende)، وأطيح به ليتولى زمام الحكم الديكتاتور بينوشيه (Pinochet)، ويسير البلاد بحكم عسكري قاس. وأشار الفيلم بوضوح إلى بصمات المخابرات المركزية الأمريكية في هذا الانقلاب. ما أثار جدلاً واسعاً، تحرك إثره السفير الأمريكي في تشيلي ليطالب بمنع عرض الفيلم، وتعويض قدره 150 مليون دولار من شركة يونيفرسال الأمريكية (Universal) التي قامت بإنتاج الفيلم. وبالطبع منع الفيلم ايضاً في تشيلي طيلة حكم بينوشيه.

فيلم ’’تشي‘‘.. عندما تخلق الثورة حكماً استبدادياً

وقدمت السينما العالمية فيلم تشي (Che) إنتاج 2008 للمخرج ستيفن سودربيرغ (Steven Soderbergh) الذي استعرض سيرة الثورة التي قام الثائر الأرجنتيني أرنستو تشي جيفارا (Ernesto Che Guevara)، الذي ناضل ضد الأنضمة الإمبريالية الاستعمارية في كوبا ودول أمريكا الجنوبية، ولمع نجمه كرمز للمقاومة وبطل للثورة الكوبية الاشتراكية. ويطرح الفيلم أسئلة عن مدى مصداقية الأفكار والاتجاهات، التي تبناها جيفارا وحارب وقتل من أجلها، خاصة وأن أحلامه في دولة ثورية، خلصت إلى تكوين دولة استبدادية حكمها رفيقه في الثورة فيدل كاسترو (Fidel Castro).

بعض الأفلام تطرح قيماً إنسانية وأحلاماً ثورية

أما القيمة الإنسانية في الأفلام التاريخية، فقد جاءت من خلال أفلام مثل غاندي (Gandhi) الذي يعتبر أشهر أفلام الثورات في تاريخ السينما، حيث جمع بين قيمة الثورة، وبين عظمة شخصية غاندي وقيادته ثورة سلمية، كانت تهدف لطرد الاحتلال الأجنبي البريطاني، واعتمد غاندي على مقاطعة المنتجات البريطانية، فكان يمشي حافيا، حتى لا يلبس الأحذية البريطانية. ونذكر أيضا فيلم القلب الشجاع (Braveheart) للمخرج والممثل ميل جيبسون (Mel Gibson)، بقيمته الفنية والفكرية العالية، ورصده قصة ثورة قائد الاسكتلنديين وليام والاس (William Wallace) ضد ملك بريطانيا إدوارد الأول (Edward I) بسبب قوانينه التعسفية، التي أودت بحياة والد والاس وأخيه وزوجته.

هوليوود بدأت الإعداد لفيلم عن ثورة 25 يناير

ويعيش جيلنا الحالي لحظة تاريخية فارقة في ظل نجاح الثورتين التونسية والمصرية، وهنالك أخبار عن إنتاج فيلم في هوليوود عن الثورة المصرية، فقد جذبت الأحداث بالتأكيد صناع الأفلام الأمريكيين من كتاب ومخرجين وممثلين، لتقديم أفلام روائية ترصد أحداث الثورة. وفي مصر عطل الكثير من المشاريع السينمائية واستبدل بأخرى تتحدث عن الثورة، كما عمدت بعض الأفلام إلى ’’منتجة‘‘ بعض المشاهد فيها، وإضافة ثور حقيقية من داخل ميدان التحرير، كنوع من المواكبة والتواصل مع الحدث الكبير.