نوادر جحا

جلس جحا على رأس الطريق ينتظر من يدعوه للطعام، فلم يمر أحد عليه، وبينما هو على هذه الحال سمع ضجيجا.

فالتفت فرأى عشرة رجال مجتمعين فقال في نفسه: أخيراً ضحك الحظ لك يا جحا، أقسم أن هؤلاء ما اجتمعوا إلا لوليمة أو عرس فيه طعام لأحد الأثرياء… ثم قام مسرعاً وتسلل حتى دخل وَسَط هؤلاء الرجال.

ولم يمض كثيرا من الوقت حتى جاء رجل يقود هؤلاء الرجال ويمضي بهم في اتجاه زورق قد أعد لهم، فقال جحا لنفسه: وليمة ونزهة في وقت واحد؟! أحمدك يا رب.

ركب جحا مع الرجال الزورق وانطلق بهم، وفي وَسَط البحر قام الرجل الذي كان يقود هؤلاء الناس وقيدهم بالحديد، ومعهم جحا.. وبعد وقت قليل وجد نفسه في بغداد وجها لوجه أمام الحاكم.

أخذ الحاكم يدعو الرجال بأسمائهم، ثم يأمر بجلدهم، حيث كانوا من معارضي الحاكم، وعندما شاهد جحا المنظر امتلأ قلبه رعبا، وأدرك أنه سيجلد أيضا بدون ذنب جناه.

اقترب الحاكم من جحا ونظر إليه، حيث لم يكن من المطلوبين، وقال في دهشة لجحا: من أنت؟ وماهي حكايتك؟ تكلم قبل أن أمر بجلدك.

نظر جحا إلى وجه الحاكم ورأى الشر يتطاير من عينيه، فقال متلعثما: والله لا أعلم عن هؤلاء الناس شيئا وليست بيني وبينهم صلة، إنني رجل أجوع كثيرا، وقد رأيت هؤلاء القوم مجتمعين فقلت لنفسي هؤلاء ما اجتمعوا إلا لوليمة أو عرس فيه طعام، وأنا منذ يومين لم أدق طعم الطعام.

لم يكد جحا يتم كلماته تلك حتى صاح الحاكم قائلا: عذرك هذا غير مقبول، ولابد من جلدك أمام الناس لتكون عبرة لكل طفيلي، وليعلم كل إنسان أن من تدخل فيما لا يعنيه لم يبق جزء سليم فيه.

قال جحا: أيها الحاكم، لي طلب وحيد قبل جلدي، عليك بجلد بطني فقط نيابة عن كل جسدي، لأن بطني هو الذي ورطني هذه الورطة، ولذلك وجب الانتقام منه.

وما إن أتم جحا كلامه حتى انفجر الحاكم بالضحك، وأيقن أن هذا الرجل خفيف الظل وليس من معارضيه، فأمر بعدم جلده، ثم قال لجحا: كاد طمعك أن يوصلك إلى موتك لولا لطف الله وكرمه بك.

هل لك في وليمة من أشهى الأطعمة وعلى رأسها لحم شهي؟
قال جحا: وأضرب بثمنها كم جلدة؟
كتم الحاكم ضحكه وقال: بل تأكلها من غير ضرب.

وبعد أن أكل جحا، ازدادت رغبة الحاكم في الحديث إلى جحا وأحب ممازحته، فقال له: يا جحا، إنك سترحل بعد قليل وقد أحببتك وأحببت أن تترك لي ذكرى أذكرك بها، ويستحسن أن تهديني خاتمك هذا.

خاف جحا، وقال في تلعثم: الأفضل أن تتذكرني بأنني منعتك هذا الخاتم، لأن هذا أبلغ في الذكرى من إعطائك إياه.

لم يكد جحا يتم كلامه حتى انفجر الخليفة بالضحك وأمر له بهدايا كثيرة.. حمل جحا العطايا عائدا إلى بيته، وهناك قص ما حدث على زوجته، فحمدت الله على نجاته وعاتبته على تطفله الذي كان سيودي بحياته، لكنه أكد لها أنها كانت تجربة قاسية تعلم منها ألا يتدخل فيما لا يعنيه.