هيب هوب

في السنوات الأخيرة حلت موسيقى الهيب هوب ضيفاً على البلاد العربية، قادمة من الشوارع والأزقة الأمريكية، حاملة معها الأداء والمظهر الغربي، وإنما في طيها روح عربية، تجسد قضايا وهموم الإنسان العربي، وتعبر فوق جسد الظلم والفقر والمعاناة، لتوقظ الشباب العربي، وتدفعه لقول كلمة ’’لا‘‘ فتشارك بقوة في معظم التحركات المساندة للديمقراطية في الوطن الكبير. وقد يتساءل البعض كيف لموسيقى غربية تقليدية أن يكون لها شأن في الثورات الشعبية العارمة، التي اجتاحت بعض الدول العربية؟

تجاوزت موسيقى الهيب هوب اختلاف اللغات والثقافات وأساليب الحياة

تنفرد موسيقى الهيب هوب بأسلوب حرفي في التلاعب بالكلمات وضبط الإيقاعات وتوزيعها. كما أنها الأقدر على مخاطبة جيل الشباب بلغته التي يفهمها. فهي موسيقى متواضعة، تحقق التواصل بين الأفرد والمجتمع ببساطة شديدة، وتعكس وجهات النظر بأسلوب ترفيهي رشيق. أي أن الهيب هوب فن موسيقي عابر للقارات، يتجاوز اختلاف اللغات والثقافات وأساليب الحياة، ليتحدث عن قيم ومفاهيم عالمية.

ولدت موسيقى الهيب هوب، في فترة السبعينات من القرن الماضي، في الأحياء التي يقطنها الأمريكيون من أصول إفريقية في الولايات المتحدة، وتحديداً في حي (Bronx) في نيويورك. وقد حضرت وسط أجواء من الظلم والعنصرية والمشاكل الاجتماعية المستعصية، كنوع من رد الفعل الواجب للتعبير عما يجول في صدور الشباب، ممن هم دون سن الثلاثين، وأيضا كفن مستقل بهم. وقد بقيت لأكثر من ثلاثين عاماً معروفة ضمن نطاق محدود جداً، وخلال السنوات الأخيرة فقط، انتشرت بشكل واسع جداً ونافست العديد من الألوان الموسيقية مثل موسيقى الريفية (Country music) والغرنج روك (Grunge) والبوب (Pop) والروك البريطاني (British rock)، لتتقدم عالم الموسيقى المعاصرة وتصل مبيعاتها إلى (13.8%) من إجمالي مبيعات الموسيقى في الولايات المتحدة الأمريكية. وتعتمد موسيقى الهيب هوب على أربعة عناصر رئيسية، هي ’’الدي جي‘‘ وهو الفن الخاص بتشغيل الأقراص الموسيقية ودمج الأصوات والمؤثرات. والقصائد التي تستخرج كلماتها من واقع الحياة السياسية والاجتماعية – وقد كانت في البداية تكتب على الجدران كنوع من التعبير البصري (Graffiti) -. ورقصة ’’البريك دانس‘‘ التي تعد التعبير الجسدي لهذا النوع من الموسيقى، وأخيرا موسيقى ’’الراب‘‘ (وهي اختصار لجملة Rhythmic African Poetry) ذات الأنغام الصاخبة والإيقاع المتقطع، أو تكون أحياناً دون إيقاع، مجرد سرد سريع للكلام. ويمكن القول، إن الهيب هوب نوع من الدمج بين مجموعة من الثقافات الموسيقية، تم تفكيك أنغامها، وتحديث إيقاعاتها، ودمج موسيقاها، ومن ثم إضافة نكهة خاصة، لينتج لدينا أكثر أنواع الموسيقى انتشاراً في العالم.

عبرت موسيقى الهيب هوب عما يجيش في صدور الشباب العربي من ضيق وقمع وظلم

يتداول هذا النوع من الموسيقى في الغالب الشعراء الشعبيون وشباب الشوارع الذين يعانون من ظروف مادية واجتماعية متعثرة، كالفقر والبطالة والإدمان. أو الذين دفعتهم قسوة الحياة إلى الانخراط في عالم العصابات وتجارة المخدرات. ولكن هذا لا يضع الهيب هوب ضمن إطار ضيق حدوده الفقر والمخدرات، فهنالك اتجاهات كثيرة ترافدت في فترة السبعينيات مع هذا النوع الموسيقي، مثل الجاز (Jazz)، فقد شهدت موسيقى الجاز على يد المطرب (Gil Scott-Heron) تطوراً حاكت من خلاله موسيقى الراب أو الهيب هوب، عندما قدم أغنية ’’هذه الثورة لن تعرض على التلفاز‘‘.

ومن بعده جاء الدي جي الجامايكي (DJ Kool Herc)، ليضيف نموذجاً جديداً يحاكي الهيب هوب، عندما قدم أغانيه باللغة الجامايكية والأسلوب الأمريكي. ومن أوائل من غنى الراب (Coke La Rock) و (Melle Mel). وقد أضاف فريق (Run-D.M.C) انعطافاً جديداً لذلك النوع الموسيقي متمثلاً فيما يعرف بالراب روك. وتعد الثمانينيات ’’العصر الذهبي لموسيقى الهيب هوب‘‘ حيث شهدت موسيقى الراب تطورات عديدة، ولم تعد حكراً على الأحياء الفقيرة والمهمشة، إذ أنشأت مجموعة من مطربي الراب وهم (Run-D.M.C) و (LL Cool J) و (Public Enemy) ما يعرف ب ’’مدرسة الراب القديمة‘‘. كما شهدت تلك الفترة تحولاً هاماً في تاريخ موسيقى الهيب هوب مع فريق (N.W.A)، الذي حقق نجاحات كبيرة ومبيعات غير مسبوقة، وانتهت على يده ’’المدرسة القديمة‘‘ ليبدأ عصر جديد من الراب يعرف بالجانجستا (Gangsta). وقد قوبل هذا النجاح بجدل إعلامي واسع اعتبره البعض الفريق الأخطر على وجه الأرض، فقد كان أسلوبه عدائياً ويحمل الكثير من صفات العنف واللامبالاة. استمرت الجانجستا في فترة التسعينات لتقدم لنا مجموعة من أفضل نجومها مثل (Snoop Dogg) و (Tupac Shakur) و (The Notorious B.I.G) و (Dr. Dre). ولكنها أيضا فترة تميزت فيها موسيقى الراب بالعدوانية الشديدة والكلمات البذيئة. كما برز في نهاية هذه الحقبة مطرب الراب الشهير (Eminem).

اتسمت موسيقى الهيب هوب بالجرأة في طرح القضايا المثيرة للجدل

 أحد أهم الأسباب التي دفعت بموسيقى الهيب هوب إلى الشوارع العربية هو نفوذ الثقافة الأمريكية من خلال السينما ووسائل الإعلام المختلفة. فهنالك ميل دائم لدى الشباب العربي لتقليد كل ما هو قادم من بلاد العم سام، وبخاصة أن أي نوع من الثقافات الأمريكية يتم الترويج له بمنتهى الذكاء والحرفية. ومن جانب آخر فقد استقبل الشباب العربي موسيقى الهيب هوب في توقيت يشهد فيه العديد من الدول العربية، أنواعاً من الظلم الاجتماعي، والركود السياسي، وإهدار طاقات الشباب. ناهيك عن الأزمات السياسية، والتي وضعت المواطن العربي تحت مظلة الإحساس بالقهر والعجز، وأخيراً كانت شبكة الإنترنت الوسيلة الأمثل لترويج هذا النوع من الموسيقى بخاصة وأن معظم روادها هم من الشباب. وقد استقبل الشباب العربي هذه الموسيقى الغربية بجرأتها وقدرتها على التواصل مع جميع أوجه الحياة، كوسيلة للإصلاح الاجتماعي، واليوم تنتشر فرق الهيب هوب في الوطن العربي، ولها ألبوماتها ومسابقاتها المحلية والإقليمية، ومجتمعها الخاص القائم بذاته.

انتشرت موسيقى الهيب هوب في مصر وفلسطين والمغرب العربي

وتجدر الإشارة إلى أن موسيقى الهيب هوب، ظهرت في فلسطين منذ الثمانينيات، حيث تم تعريبها ودمجها مع معاناة الشعب الفلسطيني، لتحقق للسباب قدراً من التفاعل والتعبير عن الغضب والإحساس بالقهر. ومن جانب آخر ظهر ميل لأغاني الهيب هوب، في العديد من المجتمعات العربية، إلا أن الأمر انحسر لسنوات طويلة في قائمة الهواية الشخصية، والرغبة الدفينة في تقليد الغرب. غير أن بعض هؤلاء الموهوبين وجدوا طريقتهم الخاصة لتوسيع قاعدة المعجبين، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وقدموا أغاني عديدة معنية بالأوضاع السياسية والاجتماعية السيئة، التي تمر بها بلادهم، فحققوا نسب استماع عالية بين جمهور الشباب الذي وجد للمرة الأولى ما يسمعه بعيداً عن الأغاني الوطنية التقليدية، التي تدعوا إلى حب الوطن فحسب، ولا تنظر إلى الأسفل تجاه تلك الشريحة من الشباب، التي أصبحت جذوة الثورة تشتعل بداخلها. وعندما يصبح الناس مؤهلين للثورة على واقعهم، فإنهم يعمدون إلى كتابة وتلحين أفكارهم الثورية. وقد تزامن العديد من أغاني الهيب هوب مع انطلاق الثورات الشعبية العربية، مدفوعة بصدق هؤلاء الشباب وتأجج مشاعر الغضب في داخلهم. فقد قدم حمادة بن عمور، مغني الراب التونسي المعروف باسم ’’الجنرال‘‘ أغنية الهيب هوب ’’رئيس البلد‘‘ الموجهة إلى الرئيس التونسي ابن علي، وكان ذلك قبيل الثورة التونسية. وقد دفعت تلك الأغنية بالمئات من الشباب للخروج إلى الشارع، وقد صنفته مجلة التايم (Time) كأحد أهم الشخصيات المؤثرة في ذلك الوقت. وفي مصر برز هذا النوع من أغاني الهيب هوب في العام 1998، من خلال فريق يدعى ’’الغرباء‘‘ (Strangers)، الذي انشق عنه فريق (Y-Crew). وفيما بعد انتشر ضمن حدود بعض الفرق المحلية التي قدمت أغاني عديدة تتناول معظم اتجاهات الحياة في مصر كالسياسية والفن والمجتمع والفساد أيضاً. وخلال أحداث الثورة، في مصر ساهمت أغاني الهيب هوب، بشكل واضح في تحفيز الشباب على الاستمرار والمتابعة، واتخذ هذا النوع من الموسيقى منعطفاً جديداً باتساع قاعدة المعجبين به.

وربما تكون أخطر المشاكل التي تواجه نجاح هذا اللون الغنائي في الدول العربية، هي الجرأة الشديدة في طرح الأفكار، شخصية كانت أو اجتماعية أو عاطفية أو سياسية، فهي غالباً ما تكون مثيرة للجدل ومتحررة إلى حد بعيد، ما يتعارض مع ثقافات وعادات الشعوب العربية. وكذلك الشكل الخارجي الذي يتشبه بالغرب من زي وحركات راقصة، والخلفية التقليدية لموسيقى الهيب هوب، ولكن ما قدمه مطربو الهيب هوب العربي حتى اليوم، لا يقترب من تلك الصورة النمطية القادمة من الغرب سوى في الشكل الخارجي والأسلوب الغنائي، حتى إن حرية الكلمات لاتزال منصبة في قوالب العادات والقيم العربية، وإن كانت قد وجدت غايتها في الجانب السياسي.